كافيهات طنطا
| 2 comments ]

طنطا كما وصفها الفرنسيون فى كتاب وصف مصر تقع مدينة طنطا على مسافة من القاهرة تساوى تقريباً المسافة بينها وبين كل من دمياط ورشيد , فهى بحق المدينة المركزية فى الدلتا وتروى أراضى المنطقة المحيطة بطنطا عدة ترع ترفد عن ترعة القرنين الكبيرة وتصل هذه الترع حتى شرق المدينة وغربها ويحطن بها , وهى ترع قليلة العمق , ونتيجة لذلك فإن نواحى طنطا التى كانت تلمع بها الخضرة وقت  مررنا بها تصبح أراضى قاحلة تماماً إذا ما كان فيضان النيل بها ضعيفاً . ذلك أن العشب قلما ينمو من تلقاء نفسه فى هذة البقعة من أرض مصر التى تمتدح خصوبتها عن جدارة , إذ قلما ترى فيها إلا مزروعات بذرتها يد الإنسان, أما الأراضى التى لا تروى فتظل بلا خضرة , وأما تلك التى تزرع فتدبو بعد الحصاد فى شكل أرض قاحلة . ولهذا السبب فقد كتب عمرو بعد فتحه لمصر إلى عمر بأن هذة الأراضى تبدو على التوالى فى شكل حقول من التراب ثم بحار من الماء ثم بساط من الورود , ولتربة مصر خاصة أخرى لا تقل أهمية , وهى أن الخضراوات الأوروبية عندما تبذر فى أرضها تأتى بمحصول وفير فى السنة الأولى لكن البذور التى تنتج عنها بذرة عقيم أو أن هذه البذور لا تعطى  إذا ما زرعت إلا محاصيل هزيلة خواصها أقل بكثير من الأولى , بحيث يتحتم أن تجلب بذور جديدة فى كل عام وهذا ما يفعلة الأوربيون بشأن الخضراوات التى يزرعونها فى حدائقهم .

ويشرب كل أهالى طنطا بلا تمييز من مياه النيل فى أوقات الفيضان , لكن الأغنياء وحدهم هم الذين يظلون يتمتعون بهذه الميزة بقية العام , لأنهم يستطيعون الأحتفاظ بالمياه فى خزاناتهم , بينما تقنع الغالبية من الناس بالشرب من المياه الملحة التى يستخرجونها من الأبار , وهى المياه التى تزيد ملوحتها بقدر ما ينخفض منسوب النيل , وهذه الأبار عميقة لحد يكفى أن تمتلئ كلها بالمياه حتى فى الأوقات التى ينخفض فيها ماء النهر لحده الأدنى . وتتكون فوهة هذه الأبار عادة من قطعة من عمود قديم يجوف من داخله .
وطنطا , شأنها فى ذلك شأن كل مدينة فى مصر محاطة بالخرائب . وعند شرقها , ترى كوماً كبيراً من الطوب اللبن أقام عليه السكان مقابرهم وهو مقطوع رأسياً فى عدة أماكن مما يسمح برؤية طوب كبير الحجم .
وهذه التلال الصناعية قد بناها سكان مصر القدامى كى يجعلوا مدنهم بمنأى عن مخاطر الفيضان وإذا ما حدث ولجأ المصريون المحدثون فى بعض الأحيان لعمل مشابه , فمن الممكن تمييزه عن الأعمال الأولى بصغر حجم المواد المستخدمة , إذن فقد كان ثم مدينة قديمة فى نفس المكان الذى نشأت فوقه مدينة طنطا.
وبالرغم من أن هذه المدينة تعد أكبر مدن الدلتا إزدحاماً بالسكان فليس بها سوى 10 الأف من السكان , وبيوتها مبنية من القرميد وهو يصنع فى البلدة نفسها من تراب الخرائب التى تحيط بالمدينة ومن السهل أن نحدد حركات التوسع التى تمت فى عمران المدينة , فالبيوت تشكل شارعاُ حول الميدنة القديمة وهى مبينة فوق الأطلال المتراكمة على سفح الدور الأول وقد نتج عن ذلك أن المدينة بكل شوارعها ليس لها سوى منفذين ,
وهو وضع لم نقبل له مثيلاً فى أى مكان أخر فى مصر  وتضم 

مدينة طنطا ضريحاُ لأحد الأولياء يجتذب المتدينين الذين يأتون من شتى بقاع مصر فى شكل حجيج . لذلك فإن على بك المعروف بما أولاه للتجارة من رعاية وبالإنشاءات النافعة التى أقامها خدمة لها عرف كيف يستفيد بمهارة من هذ الموضع كى يجعل هذه المدينة مركزاُ هاماُ للتجارة . فأنشأ فيها منذ حوالى أربعين عاماً  وكالة واسعة من أجل الأغراب .
والولى الذى تحدثنا عنه للتو هو السيد أحمد البدوى . وقد ولد فى فأس سنة 596 هـ ,1200 ميلادية , ومر بمصر فى طريقه إلى مكة وأنهى حجه وعاد من مكة إلى طنطا فى يوم واحد . واستقر هناك ومات عن تسعة وسبعين عاماً , وقد صنع فى حياته عدداُ لا يحصى من المعجزات فأحيا الموتى , وجعل الكسيحين يمشون والعميان يبصرون .. إلخ وكل هذه الوقائع مدونة فى تاريخ طويل , ورأها حسب أقوال النساك المسلمين جمهور كبير من الناس رأى العين .
وفى عام 700 هـ ألحق السلطان الملك الناصر بالمبنى الصغير الذى أقيم فى البداية حول ضريح الوالى مسجداُ يضارع أجمل وأفخم مساجد القاهرة بسبب اتساعه ودقة تصميمه , وبسبب التحسينات المتتالية التى أدخلت عليه . وتبدو  فخامته بحق فى القبة التى يرقد تحتها جثمان السيد البدوى . ولم يبخل على بك حين أمر بترميمها لا بالمال ولا بالجهد وقد يظن أحداُ أن على بك كان فى ذلك الأمر واحداُ من النساك أو المريدين بينما هو لم يكن فى الواقع سوى سياسى ماهر , وكانت الجدران حتى بداية القبة مغطاه بالرخام أما القبة وهى من الخشب , فمغطاة بالرصاص و مزدانة فى الداخل بنقوش مذهبة وزخرفات عربية جميلة .
ويحاط ضريح الولى أو الشيخ بسور من البرونز ويعلق فوقة ما يشبة بلتكانة من القطيفة , وثمة عمامة  ضخمة شالها من الكشمير موضوعة فوق الجهة التى تتفق مع موضع رأس الولى . أما أبواب القبة وأقفالها الخشبية فمغطاة بطبقة من الفضة . وتهرع أفواج الزوار إلى طنطا من كل أنحاء مصر ومن جهات بلاد البربر  المتظرفة فى مملكة دارفور ومن أعماق الحبشة وعموماُ من كافة البلدان التى تدين بالإسلام . و يأتى هؤلاء فى أعتدال الربيع ولهيب الصيف وبخاصة فى الأيام الأولى من هذين الفصلين .


وتكاد تكون الروحانيات على الدوام هى الأسباب الرئيسية لنشأة الأسواق  ذائعة الصيت . فالناس تحت صيت المعجزة التى أتى بها واحد من أشباههم ربما كانوا هم أنفسهم يسيئون معاملته وقت حياته , يهرعون نحو ضريحة , فحب المعجزة يجذبهم ويجعل أجناسهم المختفلة تختلط عند سفح نفس المحراب , وهناك تصهرهم الدموع والندم وتقارب ما بينهم , وقد يكون كل منهم مجهولاُ للأخر , ولكن سرعان ما يعقدون من الصداقات ما سوف يوحد ربما إلى الأبد بين أسرهم عن طريق تلك الذكريات الحلوة , فهناك يحكى كل منهم للأخرين عن رحلته , ويتحدث معهم عن منتجات مسقط رأسه ومنتجلات البلاد التى مر بها, ويطلع بعضهم بعضاُ عن الأشياء التى جلبوها من هناك ويتبادلونها فيما بينهم , وتتحول شوارع المزار إلى سوق واسعة وتصبح الروحانيات وقد بانت للدنيا فائدتها عربة للتجارة , وتربط بفعل الاحتياجات الجديدة بين الناس , أولئك الذين كثيراُ ما باعدت بينهم التجارة نفسه فى عنف وشراسة .
والحج إلى ضريح السيد أحمد البدوى مثال على ذلك فهو يجذب أفواجاُ عديدة من الغرباء , لدرجة أن سكان طنطا يؤكدون لنا أن الحقول حول طنطا وعلى بعد فرسخين تكون مغطاة بالبشر , ويقدرون عدد الزوار بـ 150 ألف زائر . 
وليس من العسير أن يلاحظ المرء أن البيوت فى طنطا مبنية بشكل يتناسب مع أغراض التجارة . فالجزء من الطابق الأرضى الذى يطل على الشارع مخصص فى أحياء كثيرة لمحلات صغيرة تؤجر للتجار الغرباء من أوقات الأسواق . ويقيم كثير من الزوار  خيامهم خارج المدينة وتزدان الخيام والبيوت فى الليل بالأضواء وتسمع من كل الانحاء صياحا الفرح مختلطة بضجيج الألات الموسيقية المصرية , وتستمر هذه الأسواق ثمانية أيام وتعود على الإقليم بفوائد جمة , لكن هذه الأسواق , لم تقم مطلقاُ فترة وجود الجيش الفرنسى فى مصر , ذلك أن الطاعون قد أدى إلى إيقافها بسبب الخوف من الأخطار التى يمكن أن تنجم وقت إنتشار الوباء من تجمع مثل هذا العدد الهائل من الناس.
هذا ما ذكرة الفرنسيون عن طنطا فى كتاب وصف مصر 
الخرائب : هى الأثار الناتجة عن هدم البيوت وكانت تلقى على مسافة من المدينة.

2 comments

إرسال تعليق