كافيهات طنطا
| 0 comments ]

إذا كنت من مدينة طنطا او احدى الاماكن بمحافظة الغربية لا بد ان تسمع عن مستشفى او مدرسة او حدائق او منشأت خيرية بإسم المنشاوى باشا هل سألت نفسك ذات يوم من هو المنشاوى باشا نستعرض لكم اليوم من هو أحمد المنشاوى باشا أحد أشهر اعيان محافظة الغربية ومن أكثر من أنفقوا على الاعمال الخيرية بمحافظة الغربية

أحمد المنشاوي باشا ، وهو من أعيان الغربية ، والذي قُدِرَت ثروته بنحو مليوني جنيه ، وخُصِصَ جزءٌ منها لأعمال الخير ، ويعد المنشاوي باشا والأمير عمر طوسون من أكثر المصريين في العصر الحديث إنفاقاً في المشروعات الخيرية ، وحسبنا أن نعلم أن المنشاوى باشا أوقف نحو ألف فدان على أعمال الخير والإصلاح ، ولا تزال آثار يديه شاهدة على ذلك .

كان المنشاوي باشا من أشهر كبار الملاك الذين اهتموا بإنشاء التكايا والوقف عليها في مطلع القرن العشرين الماضي ، ومن ذلك تكيته بمدينة طنطا ، التي جعلها كما ورد في نص حجة وقفه ، ( للعواجز واليتامى ) لتكون منازل ومساكن لهم وللسيارة والمارة ، وأبناء السبيل من المسلمين ، ولاسيما الذين يحضرون إلى مدينة طنطا من بلاد الترك والمغرب وغيرها وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج ) .

وقد بلغ نصيب هذه التكية من ريع الوقف 1500 جنيه مصري قبيل تسليم أطيان الوقف عام 1962 لهيئة الإصلاح الزراعي
وكان النَفَس الوطني واضحاً في أعمال الخير لديه ، من ذلك مثلاً أن المنشاوي باشا ، نص في وقفيته المحررة في عام 1903 على أنه ( لا حق لأحد من الموقوف عليهم في الوقف ، لا بنظر ولا استحقاق إذا تزوجت إحدى بناتهم بأحد من أهل الحمايات الأجنبية خلاف الدولة العلية ) (العثمانية)

( ترجمة أحمد باشا المنشاوي ) هو ابن أحمد آغا المنشاوي بن الجوهري المنشاوي نسبة إلى قرية المنشاة في مركز زفتى من مديرية الغربية بمصر , ولد سنة 1250 وقيل 1256 ومات والداه عن ثمانية أولاد هو أصغرهم , وترك لهم مائتي فدان فرباه أخوه الأكبر محمد بك المنشاوي وعلمه مبادي القراءة والكتابة بالعربية والتركية , وفي الثامنة عشرة من عمره عين معاونًا في عمال المزارع التي تسمى الدائرة السنية فعرف كيفية إدارة الزراعة وتثمير الأرض بالطرق المنتظمة التي كان يجري عليها أمراء مصر . وقد خلقه الله كبير النفس فحدثته نفسه بالمعالي , ولم تك المعالي يومئذ إلا في قرب الحكام ووفرة المال فوجه نفسه إلى جمع الثروة , وكان مبدأ أمره فيها أنْ اشترى تبنًا كثيرًا من الدائرة السنية بثمن بخس فارتفع ثمنه جدًّا حتى بلغ ثمن الحمل جنيهًا ؛ فربح ربحًا عظيمًا , ثم اشترى مقدارًا عظيمًا من بذر البرسيم الأردب بجنيه فعلا ثمنه حتى بلغ ثمن الأردب اثني عشر جنيهًا , ثم اشتغل بأعمال زراعية أخرى فنجح فيها نجاحًا عظيمًا بكده وجده حتى وثق به إسماعيل باشا المفتش العام الذي كان يدير دفة الحكومة المصرية في عهد الخديو إسماعيل باشا , ورقاه في عمله , ومن أقدر على جمع الثروة ممن كان يثق به هذا ويوليه الأعمال الزراعية ؟ نعم ما كل من تسنح له الفرص يحسن استخدامها كما استخدمها المترجَم بمهارته وحذقه الفطري وشجاعته , وقد كانت قيمة الأرض قليلة في ذلك العهد لكثرة الضرائب والمظالم من الحكومة حتى كأن الفلاحين كلهم عبيد للأمير لا ينالون من تعبهم في استغلال الأرض له إلا ما يسد الرمق ويحفظ الدماء ولولا الحاجة إليهم للخدمة والاستعباد لبخلوا عليهم بذلك اللماج ، الذي كان بمثابة الدواء والعلاج ، ولكن أصحاب الجراءة والإقدام ، والزلفى عند أولئك الحكام ، كان يسهل عليهم من جمع الثروة ما يعز على غيرهم , وبلغنا أن المترجَم لم يملك على عهد إسماعيل باشا أكثر من ألف فدان ، فإن صح هذا كان دليلاً على أنه لم يستعن على تحصيل ثروته الواسعة باستبداد الحكام كما زعم بعض الناس , بل حصلها بجده واجتهاده تدريجًا . وليرجع القارئ هنا إلى ما قلناه في مقدمة ترجمة محمود سامي باشا الأدبية من هذا الجزء ليتذكر أن نجاح الإنسان في أعماله هو أثر استعداده وثمرة خلائقه , وقد جرى المترجَم بحسب ميله واستعداده في طرق الإثراء , وكانت براعته في عمارة الأرض واستغلالها أشد من براعته في امتلاكها ، فقد ملك عشرة آلاف فدان كانت غلتها نحو مائة ألف جنيه في السنة , ومن الناس من يملك في مصر أكثر من ذلك أرضًا ولا ينال منه نصف ما كان ينال المنشاوي ريعًا , وأهل هذه الديار يعرفون كثيرًا من معاصريهم الذين ترك لهم آباؤهم عشرات الألوف من الفدادين فأضاعوها وانقلبوا مساكين , فلا يحسبن الجاهل أن الثروة تنال بما يسمونه البخت أو بمساعدة أصحاب السلطة والجاه أو سنوح الفرص ، بل يجب أن يعلم أن الوسيلة الأولى في الاستعداد الفطري والأخلاق ثم العمل والجد عن علم بالميل الناشئ عن ذلك , فالبخت اسم لمسمى وهمي , والفرص تسنح لكثير من الناس وقليل منهم المستفيد منها ، والعلم بطرق الكسب لا يغني وحده ، فكم من عالم خائب ؟ والجد والكد بغير مساعدة الأخلاق قليل الغناء , فأكثر الناس كادح ناصب في تحصيل الرزق والناجح قليل من كثير . ومن يقول أن الحريص كالمهمل المفرط ، والمقتصد كالمسرف المضيع ، والجريء كالجبان الهلوع ، والسخي كالبخيل المنوع ، والعزيز الكريم كالمهين اللئيم ، ومن دلائل حذق المنشاوي ومهارته في تدبير أمر الثروة أن دائرته الواسعة لم يكن فيها من العمال والكتاب عشر ما في أمثالها من دوائر أمراء مصر وأغنيائها الذين هم فوقه علمًا ودونه مهارة وعملاً , وكان ينظر كل شيء بنفسه ولا يتم في الدائرة عمل إلا بإذنه وتوقيعه . كان عزيز النفس أبيًّا ولوعًا بالشهرة بالمعالي ، مغرمًا بحب المدح والثناء , وصاحب هذه الخلال وإن لم يقف بها عند الحدود المشروعة والموضوعة خير من المهين المغمول المستولغ الذي لا يبالي أعده الناس مسيئًا فذموه أو محسنًا فمدحوه كما عليه كثير من أمرائنا وأغنيائنا الذين لا همّ لهم إلا التمتع باللذات البهيمية . ولذلك كان يدخل في المآزق ويركب الصعب لإحراز المكانة في نفوس الناس . ومن ذلك توسطه بين عربان القطر المصري و عرابي باشا حين أراد هذا إلزامهم بقبول ضرب القرعة العسكرية في أبناءهم فأبوا وتألبوا يبغون الفتنة ، ولما أغرى شيطان السياسة المصريين بقتل الإفرنج ومن على شاكلتهم من اليهود والنصارى الغرباء في الإسكندرية سرى سم الاعتداء منها إلى طنطا , وطفق الرعاع يقتلون ويضربون فانبرى الفقيد يومئذ إلى إغاثتهم فنفر عنهم طائر الفتنة , وحمل المئين منهم على قطارين إلى بلدته القرشية فوضع كبارهم في قصره العظيم والباقين في مزارعه هناك , فكانت لهم حرمًا آمنًا يلجأ إليه الخائف ، ويفرخ روع الواجف ، وكان ينفق عليهم من سعته وجهز كثيرين منهم فسافروا بحمايته ونفقته إلى بورسعيد فأوربا . وزعم بعض المنتقدين أنه لم يفعل ذلك إلا لما كان يتوقعه من ظفر الإنكليز وإثابتهم إياه على صنيعته , وما كان الرجل بعيد النظر في الأمور الاجتماعية والسياسية فيدرك ما لم يكن يخطر على بال أكثر المتعلمين والحاكمين , بل كان على غاية البساطة في غير الأمور الزراعية والاقتصادية , وما أرى السائق له إلا الأريحية الفطرية وحب معالي الأمور مع الإحساس بالقدرة على ذلك لما له من الأعوان والعصبية , وقد آوى غيره من الوجهاء بعض الناس على جبنهم وخوفهم , ولكن لم يشتهر أمرهم ,


من أشهر المنشأت التى تحمل اسم المنشاوى باشا



مستشفى المنشاوى


مدرسة المنشاوى الإعدادية و مدرسة الجمعية الخيرية

معهد المنشاوى الأزهرى


مسجد أحمد باشا المنشاوى



وأما عمل المنشاوي فلعظمه قد طار ذكره في الآفاق فأهديت إليه أوسمة الشرف من دول أوربا وجمعياتها . ولكن الذين تتوجه نفوسهم إلى الشر دائمًا لا يصدقون بأنه يوجد في الدنيا من يعمل الخير لوجه الله تعالى أو لحب الخير . على أن الذي يطلب الحظوة عند الدول أو عظماء الناس بفعل الخير قليل في الناس , وما كثر هذا الفريق في أمة إلا ارتقت وعظم شأنها فالمنشاوي كان خيرًا من منتقديه وإن صدق سوء ظنهم فيه ، وقد فعل مثل فعله في مصر الأمير عبد القادر وغيره من علماء وعظماء المسلمين في الشام في إبان الفتنة التي حدثت سنة 1860 م فهل كانوا يتوقعون أن يأخذ الفرنسيس الشام فيكافئوهم ويرفعوا شأنهم ؟ كلا ثم كلا, إنهم كانوا بباعث الدين والمروءة ينبعثون ، وقد كان من المتهمين في الفتنة العرابية وحوكم فلم يثبت عليه بما يحكم به عليه , ولكنه في أعقاب الفتنة سافر إلى بلاد الشام وأقام مدة في بيروت كان فيها عونًا للمنفيين المحتاجين من المصريين , ولكنه لم يسلم من شرهم فسعوا فيه إلى السلطان عندما سافر إلى الآستانة سنة 1301 فكتبوا إلى المابين أنه متفق مع إسماعيل باشا على تأسيس دولة عربية فلم تضره سعايتهم , وأقام في الأستانة زمنًا ثم سافر إلى تونس فأكرم الباي ورجاله مثواه , وأنعم عليه برتبة أمير الأمراء ووسام الافتخار , ثم سافر إلى نابولي فلقي من رجال بعض الجمعيات حفاوة وإكرامًا , ثم عاد إلى مصر سنة 1305 وأقام في قصره بالقرشية , وكان حب الكرامة والعلاء قد نما في نفسه فلم يكن يسعه ذلك القصر الفخيم والجنة التي أنشأها له , وفيها من كل فاكهة وكل زهر وريحان ، ما لا يكاد يوجد في مكان ، ولذلك كان كثير الشئون مع الأمير والحكومة , ولا موضع في المنار لذكر شيء من ذلك وإنما نشير إلى الهضم الذي ناله من جراء ذلك فهب بباعث ردّ الفعل إلى العلاء والكرامة من الطريق الحقيقي فنال لقب ( محسن مصر الكبير ) وهو أفضل من لقب باشا وأمير . بُعد المترجَم عن أمير البلاد لهذا العهد زمنًا ثم قرب منه , وقيل أنه قدم هدية لولي العهد يومئذ مزرعة تبلغ ألف فدان . واتفق في زمن هذا القرب أن سرق من مزارع الأمير ثور لم يهتد رجال الحكومة إلى سارقه فتصدى لمساعدتهم إرضاء للأمير , وكان من أقدر الناس على ذلك لما اعتاده بواسطة خدمه وأعوانه من التنكيل باللصوص من أيام الاستبداد , فضرب بعض المتهمين الذين أحضرهم , وكان عنده مأمور مركز طنطا يبغي التحقيق , فقامت لذلك قيامة الحكومة ؛ لأن المحتلين يشتدون في إزالة السلطة الشخصية من مصر , ويعاقبون أشد العقوبة كل من يعمل عملاً لا يجيزه له القانون لأجل إرضاء الأمير أو بوحي من قصره , فحوكم المترجَم وحُكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر , وعزل المأمور تأديبًا , وعزل مدير الغربية سعد الدين باشا بالإحالة على المعاش . فعظم الأمر على الفقيد , وذهب بعد خروجه من السجن إلى أوربا لينتقم من اللورد كرومر بما يكتب في الجرائد الأوربية ، سول له ذلك بعض الطامعين في ماله فقبله لبساطته , ثم رجع يائسًا , وقد أراد بعد عودته أن يغيظ المحتلين بزيادة القرب من الأمير وتعظيم شأنه , فلما أراد الأمير أن يسافر للاحتفال لقناطر زفتى التمس منه أن يمر على محطة القرشية فقبل , فأعد هناك زينة واحتفالاً لم يعرف لمثلهما نظير في القطر المصري , وقبيل السفر كُتِب إليه من حاشية الأمير بأن العزم قد تحوّل عن المرور من هناك فعظم عليه الأمر جدًّا , وانكمشت نفسه حينًا لتندفع إلى العمل العظيم الذي لا خيبة فيه ولا إضاعة بل هو الشرف الرفيع الذي يمحو كل غضاضة , وما عتم أن أنشأ تلك الوقفية العظيمة التي نوهنا بها في السنة الماضية ( المجلد السادس ) فعمَّ إحسانه العلماء والفقراء من جميع الملل . ولما توجهت نفسه للخير والبر بالسخاء الحاتمي صار يكثر معاشرة أهل الخير والعلم , فوثق عرى وداده بالشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية , وصار يكثر زيارته ويستشيره في شئونه , وقد عرفناه في أثناء ذلك . وكنت كثيرًا ما أحدث الشيخ فيما تتوق إليه نفسه من السعي في إنشاء مدرسة جامعة في مصر تكون في ضواحي القاهرة , فكان يشكو من بخل الأغنياء وجهلهم بفائدة هذا العمل الذي لا يتم إلا بمبلغ عظيم , فلما اتصل المنشاوي به رغبه في هذا العمل الذي يكبر على غير نفسه الكبيرة ويده المبسوطة فوعد بأنه سيفعل , ولما وقف تلك الأرض التي قيل أن ريعها يناهز أربعين ألف جنيه في السنة , وهو في الحقيقة لا يقل عن 25 ألف جنيه - خفنا أن يكون رجع عن رأيه فإذا هو لم يرجع , وكنت كلما لقيته أحدثه في أمر المدرسة وأعظم من شأنها حتى إنني رأيته في غرة رمضان من السنة الماضية فأقسم لي بالله أنه سيكلم في ذلك النهار أحد الأمراء في شراء قصر له ( بشبرا ) لينشئ المدرسة فيه مؤقتًا إلى أن يبني لها البناء الذي يليق بها , ثم علمت أنه كلمه ولم يتفق معه على الثمن . وبلغ الخبر أرباب الجرائد فطفقوا يذكرون المدرسة الكلية الجامعة بما يزيد في تشويقه رحمه الله حتى إذا كان يوم السبت ( 10 شوال الماضي ) كتب إلى مجلس النظار كتابًا يطلب فيه أن تبيعه الحكومة عشرة آلاف فدان معينة ( كانت باعتها من رجل أجنبي بثمن وشروط لم يستطع القيام بها ففسخت البيع ) ليجعلها وقفًا على مدرسة كلية يريد إنشائها في مصر بالقرب من القاهرة , ومن عادة الحكومة أن تبيع الأرض للمدارس والأعمال الخيرية بثمن بخس , والفقيد طلب هذه الأرض بمثل الثمن الذي كانت باعتها به , وكتب إليها أنه يوقع على حجة الوقفية في الوقت الذي توقع له المالية على عقد البيع . ثم توسل بالمفتي إلى نظارة المعارف بأن توصي الحكومة بالتعجيل بعقد البيع منه , ووعدها بأن تكون المدرسة تحت رعايتها , وقد ذاكر وكيل المعارف ناظرها في ذلك , فكتب للحكومة أحسن توصية , وبلغنا أن الحكومة قبلت ولو أمهل القدر الرجل إلى آخر الأسبوع لتم الأمر , ولكن عاجلته المنية فاختطفته من مصر في يوم الثلاثاء ( 13 شوال الموافق 20 دسمبر ) فكان فقده خسارة علمية هيهات تعوض بالألوف من هؤلاء الأغنياء البخلاء . وقد كنا زرناه في ذهبيته بعد عيد الفطر وتحدثنا في أمر المدرسة فقال : إنني الآن قد بدأت بضرب الطوب ( الآجر ) لأجل البناء في الصيف الآتي . وأخبرنا عن المكان الذي سيبني فيه وهو في أرض له تعرف ببسوس على ضفة النيل , وأخبرنا أنه كان عازمًا على شراء مراكب بخارية صغيرة من النوع المعروف بالرفاص لأجل نقل أساتذة المدرسة الذين يقيمون في القاهرة مع التلامذة الخارجيين صباحًا ومساءً في النيل , ووعدنا بأن سيطلعنا على ذلك المكان فيا حسرة العلم والبلاد عليه . هيهات أن يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل ومن كرمه الحاتمي أنه تبرع بألفي جنيه لمساعدة السكة الحديد الحجازية , واقتدت به حرمه فتبرعت بخمس مائة جنيه , وقد جمع لذلك مالاً كثيرًا بسعيه فأنعم عليه السلطان برتبه بيلربكي . ومن الدلائل على حسن خاتمته رحمه الله تعالى أنه قبل موته بيوم طاف على جميع الذين كان بينه وبينهم مغاضبة أو عداوة فصالحهم على عزة نفسه وشدة ضغنه , فلم يقبضه الله تعالى إلا بعد أن زكى نفسه من الحرج على الناس . فنسأل الله تعالى أن يحسن إليه في الآخرة أضعاف ما أحسن إلى عباده في الدنيا , وأن يتجاوز عن جميع ما سلف منه بمغفرته وإحسانه . أشرنا في الجزء الماضي إلى ما كان لتشييع جنازة المترجَم من المشهد الذي لم نر مثله لأحد من الأمراء والعلماء , ونزيد الآن بيانًا فنقول : إن الشوارع كانت غاصة بالناس من شاطئ النيل حيث كانت ذهبيته التي توفي فيها إلى محطة مصر إذ نقل من المحطة إلى طنطا لأجل دفنه في القبر الذي أعده لنفسه . وكان الازدحام على أشده من ميدان الأزبكية إلى المحطة , وكان في مقدمة المشيعين مفتي الديار المصرية وأحد حجاب الأمير نيابة عنه , وكثير من العلماء والوجهاء من جميع الطوائف والملل المقيمة في مصر , ولكن لم نر في ذلك الجمع الكبير أحدًا من أسرة الأمراء ولا من النظار حتى كأنهم ليسوا من الأمة كما قيل . وكان المشهد في طنطا على نحو ما كان في مصر , وزاده تأثيرًا هناك اجتماع تلامذة مدرسة الجمعية الخيرية فيها و300 تلميذ من تلامذة مدارس جمعية العروة الوثقى في الإسكندرية معهم الموسيقى الخاصة بهم جاءوا مع أعضاء إدارة الجمعية في قطار خاص بهم لأجل تشييع الجنازة , وقد حمد الناس من هؤلاء الأعضاء الأكارم هذه العناية وعدوها من شكرهم لفضل الفقيد على مدارسهم لا سيما مدرسة محمد علي الصناعية التي لم تكن لولاه شيئًا يرجى ثباته . مات رحمه الله تعالى عن زوجة كان مغبوطًا بها محترمًا لها أشد ما احترم رجل امرأته , وما ذلك إلا لأنها بحسن معاملتها قد عرفت كيف تملك قلبه . وعن شابين وبنت متزوجة وهم من غير زوجته التي مات عنها وأحد الولدين مسجون , وقد توجهت قلوب الناس إلى الأمير بالعفو عما بقي من مدة سجنه . وقد رضي المسجون بأن يجعل أخاه المطلق يوسف بك قيمًا عليه . فحوم الذين اعتادوا الاستفادة من تركات الأغنياء بالتحريش بين الوارثين وتوريطهم في الشكاوي والدعاوي على يوسف بك هذا وأنشؤوا يوسوسون له ليوقعوا بينه وبين وكيل الدائرة بسيوني بك الخطيب وبقية الورثة . فإذا فطن لأمرهم وعرف تأثير أمثاله ووعى أقوال النصحاء المخلصين يرى أن هذا الوكيل كان محل ثقة أبيه الذي خبر الناس وبلاهم , وأن ثروته كانت تزيد على عهده , وأراضيه وأملاكه تزداد عمرانًا وريعًا , وعند ذلك يغفل وسوسة الموسوسين ويبقى كل شيء على حاله , وإلا فإنه يخسر بالقضايا والمشكلات أضعاف ما توهمه شياطين الإنس الآن أنه يخسره بالمسالمة فينعم زمانًا قصيرًا ثم يعود - حماه الله - إلى حال المساكين , والعاقبة للمتقين

0 comments

إرسال تعليق